ابن حزم

87

رسائل ابن حزم الأندلسي

به عن غيره من العلوم ؛ أو فاقة « 1 » علمه ذلك إلى غيره من العلوم ، وأنّه إن لم يضف غيره من العلوم إلى علمه كان ناقصا لا ينتفع به كبير منفعة بل لعله يستضرّ به « 2 » جدا : فمن ذلك أنا وجدنا قوما من أهل طلب العلم ، أعني الديانة ، يزرون بسائر العلوم ، وهذا نقص عظيم شديد لا ينتفع به صاحبه في قسمة الفرائض والمواريث وأن يعرف من المطالع ما يعرف به أوقات الصلوات ودخول شهر رمضان - شهر الصوم - ووقت الحج ، وإن لم يعرف مضار المأكل والمشرب أوشك أن يتناول ما يؤذيه ويضر به ، وذلك محرم وقد أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالتداوي فاتباع أمره فرض . فتعلم الطب فرض على الكفاية ، ومضيّعه مضيع فرض . والقرآن عربي فلا سبيل إلى أن يعلمه من لم يعلم العربية ، ولا سيما إن كان المذكور لم يتناول من الشريعة إلا علما واحدا من علومها ، فهذا إنسان ناقص مسيء إلى نفسه مهلك لها ، لأنه إن تناول علم القرآن ولم يتناول علم السنن كانت يده من الدين صفرا ، وكان علمه عليه لا له . ومن أحسن علم السنن ولم يحسن علم القرآن لم يعلم ما يجوز به القراءة مما لا يجوز ، وما أنزل اللّه تعالى مما لم ينزل . وإن تعلق بالفتيا دون علم بالقرآن والسنن فهو والحمار سواء ولا يحل له أن يفتي لأنه لا يدري أحق أم باطل ، وإنما يفتي مقلدا لمن لا يدري هل أصاب أو أخطأ ولا يعرف ما هو عليه أهو من الدين أم من غير الدين إلا ظنّا . وإن تعلق بالكلام دون أن يعرف السنن كان هالكا ، لمغيبه عن حقيقة الشريعة التي كلفه اللّه تعالى إياها ، وألزمه أداءها « 3 » . ووجدنا قوما طلبوا علوم العرب فازدروا على سائر العلوم كالنحو واللغة والشعر والعروض ، فكان هؤلاء بمنزلة من ليس في يده من الطعام إلا الملح وليس معه من السلاح إلا المصقلة التي بها يجلى السلاح فقط ، وكان [ الواحد منهم ] غائبا عن علم الشريعة التي لا معنى لخروجنا إلى هذا العالم غيرها ، ولا خلاص لنا ولا سلامة

--> ( 1 ) ص : بأنه . ( 2 ) ص : يستصريه . ( 3 ) ص : والتزمه إياها .